الخميس، 21 فبراير 2013

الحرية سامر

214 يوما من الإضراب عن الطعام لا تكفي للفت انتباه مشاعر الإنسانية المرهفة لمعاناة صاحبها، لأنه ببساطة ليس من بني البشر، ولأن المساواة فقط بين بني الإنسان، كما أنه ليس من بني الحيوان لأن جمعيات الرفق بالحيوان أيضاً لم يلفت انتباهها جوع أسد سجين لمدة 214 يوماً، لأنها ببساطة أيضاً لا تعتبره من الحيوانات.
سامر العيساوي وأيمن الشراونة جسدا أزمة الإنسانية في عصر طغيان حضارة الغرب المتمدنة، المثال الذي تسعى "النخبة" العربية للاقتداء به، وصعت رؤوسنا به، للأسف الكذب زيت المقلاة التي تطبخ به طبخاتهم، والبلادة نحو نصرة المستضعفين من فلسطين إلى سوريا إلى ميانمار، وكل بقعة ليس فيها مال يسرق.
ما نشاهده اليوم يمكن التفكر فيه والخروج بعدة خلاصات من أهمها:

  1. الأخلاق ليست دافعاً للدول النافذة في العالم للتحرك فقد فقدوا حياءهم منذ زمن.
  2. ملف الأسرى لا يتحرك إلا بالقوة وليس هناك من سبيل لتحريرهم إلا بالمبادلة.
  3. التفاعل الشعبي مع قضية الأسرى أقل من المستوى المطلوب كما نلمس والفعاليات الجماهيرية ليست بالزخم المطلوب.
  4. العالم يحترم القوي فقط.
  5. للمستضعف وسائله لكسر الجبروت ورفض الذل، وإعلاء كرامته.
  6. ميثاق حقوق الإنسان ينادي بالمساواة وقد تورط في العنصرية والتمييز في التطبيق. وعنصرية في تطبيقها.
  7. ليس لليهود عهد  ولا ذمة فقد اعتقلوا أيمن الشراونة وسامر العيساوي اللذان أفرج عنهما ضمن صفقة وفاء الأحرار.
وفي الختام:
صوم يوم يشعرك بمعاناة الأسرى المضربين عن الطعام، ويعطيك فرصة للدعاء في وقت استجابة ساعة الإفطار، ويعطيك فرصة للتدبر فأنت ستنهي صيامك وتأكل بينما هم مستمرون تحت الألم الذي أوجع بطنك فلا تنساهم.
اللهم فك أسر المأسورين، وأحسن خلاصهم يا رب العالمين.


الاثنين، 18 فبراير 2013

أناجيني لأنتصر

أدوم العمل أخلصه وإن قل..
تحسن لأحدهم بقلبك وجوارحك، فيقول وارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم، تسير في حاجته أكثر من سيرك في حاجتك إيماناً منك بأن ذلك خير لك من عبادة سبعين سنة، فلا تجد امتناناً ولا شكراً.
ينتهز الشيطان الفرصة ويؤزك على التوقف عن فعل الخير أزاً، ويوسوس ليزيد الجرح ويرش عليه الملح، وتكون هزيمتك الثانية إن أطعته وتخليت عن كريم شيمك.
قد يقول قائل مثالية جوفاء، ومبالغة في ادعاء الأخلاق، ويوسوس آخر ضعيف أنت لا تقوى على رد الأذى، وينفث رابع اصنع المعرووف في أهله أما سمعت الشاعر إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أكرمت اللئيم تمردا!! أولئك شياطين الإنس في ثياب الناصحين، إن أطعتهم تكون قد تلقيت هزيمة نكراء، وأضفت إلى خسارتك صاحبك خسارتك نفسك، ويكون عدوك قد أفلح.
هذه ليست مثالية يا عزيزي فهدي خير الأنام مع اليهودي رامي القمامة علامة وشامة ودليل، وهمة المرء تعلو به أو تدنيه، وقد صاحبنا أناساً اتبعوا النبي اقتداءً فكانت أخلاقهم في العلياء تتصاعد لما تساموا عن رد إساءة المسيء، بل وزادوا في احسانهم طمعاً في قرب الحبيب، وقرب الجوار على قدر ملازمة الهدي.

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

الجذب على قدر البذل

من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه
يا لها من كلمات..
تاملتها ودارت في رأسي أفكار..
غصت في معانيها أسبر الاغوار..
كلمات عميقة..
لله درك يا شافعي..، ولله درك يا راشد لما أحييتها..
ما أسهل الكلام عن الفضيلة..
ما أسهل الحديث عن الترفع.. والاستعلاء.. والزهد.. والتقلل من الدنيا..
كلام سهل ميسور..
ما أسهل الكلام عن الأخوة.. والإيثار.!!
ما أسهل الكلام عن الشمائل السامية العلية..
وما أصعب التطبيق.

إن أعظم وسائل الدعوة وتأليف القلوب السعي في مصلحة العباد..
وأرقى القلوب تلك القلوب التي تحمل هموم الآخرين..

تلك قلوب وأبدان تتمغنط بالطاعة والسعي في حاجات الخلق فتتولد لها قوة جاذبة تشد الناس من حولها
فتصبح بؤرة أو مركزاً والناس يدورون في فلكها.
وكلما وجهت قواها نحوهم زاد تعلقهم بها وانجذابهم إليها..

والعكس بالعكس..
عندما يَغيب الداعية أو يُغيَّب ويتيه في ظلمات نفسه وشهواتها، 
وتطلبه وتطالبه وتحرفه عن مساره وسجيته فإن استجاب بدأ يفقد تلك الجاذبية
ويكون مقدار الفقد على قدر استجابته لشهوات نفسه

وتبدأ الفيزياء تعمل عملها فكلما وجه قوته لنفسه فقد تلك المغناطيسية وتبدأ تلك الجموع بالانفضاض شيئا.. فشيئاً
ويبدأ الأفراد بالتفلت من المدارات، وتبدأ الجماعة بالانحلال..
ثم يتساءل هو في بلاهة..
لم هذا الفتور؟!
ولم قلت حماسة الأتباع؟!

فيلتبس عليه تحديد المشكلة، ويلقي باللائمة على جموع التابعين، والحق أن العيب في موضع آخر

الخميس، 8 مارس 2012

كي لا تتهاوى الحصون

 أكتب هذه الخاطرة وأنا في قطار السكة الحديدية متوجهاً إلى الإسكندرية وحولي مجموعة من الأجانب يتجاذبون الحديث ومعهم مجموعة من المصريات وليس بينهم مصري ذكر واحد، أسمع قهقهات ضحكاتهم تملأ المكان في غير ما ترو، أو أدنى درجات الذوق الراقي الذي تسربلت به حضارتنا الشرقية التي نعتز بها، أظنهم يرون أنفسهم يصعدون معارج المجد وهم يتهاوون إلى أسفل الحضيض، وأتذكر مثل العقاد الذي ضربه للغراب يقلد مشية الحجل ونسي مشيته الفطرية فلا هو صار حجلاً ولا بقي غراباً، أتساءل عن أسباب هذا الاغتراب الحاصل لأبنائنا وبناتنا حتى أضحوا يتشبثون بكل غريب، وانبهروا حد الانهيار فصاروا لقمة سائغة لكل دخيل، وأتساءل عن المهمة التي يؤدونها في يوم جمعة أغر ويتطلب سفرهم من القاهرة إلى الإسكندرية، ثم أتساءل عن دور الأسرة في متابعة الأبناء وتقديم النصح لأبنائها والتكافل الاجتماعي الذي يمتد خارج حدود المادة إلى تحصين الأسرة نفسها بإطار من القيم المنتظمة لتشكل بوصلة توجه السلوك وتحدد معالمه. وسط كل تلك التساؤلات التي عصفت بذهني للحظات، يدوي صوت هادر في أعماق أعماقي يهزأ بكل مسخ صاغ شخصيته وفق هوية غيره واعتنق أفكاراً ومبادئ بالية رغم امتلاء جيوب حضارته بالماس وثمين الجواهر، لكنه الانهزام الثقافي والتشويش العقلي المتعلق بقيم المرء، وتاريخه وهويته، إن أصاب شخصاً ما أصبح مطية أو قل بهيمة تساق.
وكيلا تتهاوى الحصون لا بد من تمتين النواة الأولى للمجتمع "الأسرة"، ولا بد من إحاطتها بسور واق من القيم الحامية الحافظة وتبصير افرادها بهويتهم، وغرس الاعتزاز بها في نفوسهم، حتى لا يصعدون نحو نهايتهم.

الخميس، 16 فبراير 2012

سل هذا فيما نقلني

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ ، ثنا الْفَيْضُ بْنُ وَثِيقٍ ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، ثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ،عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " يَجِيءُ الْمَقْتُولُ آخِذًا قَاتِلَهُ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا عِنْدَ ذِي الْعِزَّةِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي ؟ فَيَقُولُ : فِيمَ قَتَلْتَهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلانٍ ، قَالَ : هِيَ لِلَّهِ " .
استحضرت هذا الحديث وأنا أرى كل يوم تنقلات في وزارات الحكومة ومؤسسات الدولة حيث ينقل الموظفون من موقع لموقع وقد يتنقل الموظف بين أربع أو خمس أماكن في أقل من عام فوقع في قلبي أن هذا الموظف المسكين قد يسحب المسؤول الذي نقله يوم القيامة فيوقفه أمام ربه فيسأله: سل هذا فيم نقلني.
وقد رأيت أغلب التنقلات دافعها القرابة والجيرة والمعرفة والرتبة التنظيمية، وغيرها مما لا علاقة لها بالعمل وأصول المهنة فاستحضرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ : شَيَّعَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الشَّامِ , فَقَالَ : يَا يَزِيدُ ، إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ ذَا قَرَابَتِكَ , وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ وَلَّى ذَا قَرَابَتِهِ مُحَابَاةً وَهُوَ يَجِدُ خَيْرًا مِنْهُ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ " .
والحقيقة أن المسئولية في العمل الحكومي تعطيك سلطة تفعل بها ما تشاء فالموظف الحكومي مسكين لا حول له ولا قوة وهو بيد مولاه "رئيسه في العمل" يوجه حيث يشاء، ولكنها كلمة أهمس بها صراخاً في أذن كل مسئول تذكر موقفاً يتظلم فيه من ظلم فيقول: "سل هذا فيم نقلني".

الخميس، 12 يناير 2012

ايكولوجيا المفاهيم (4) طابور الحياة

أبدأ الحكاية من أحد الشوارع في إحدى المدن المنسية بسبب انعدام النظام، أكوام من البشر على باب محل قيل إنه مخبز، يتدافع الناس.. يتصارعون.. كل منهم يريد ربطة خبز، يتنافس المتراكمون أيّهم يأخذ ربطته أولاً، وتدور بين الفينة والأخرى جولة من المصارعة بين اثنين من المتراكمين أيّهم يأخذ ربطته أولاً، يأتي ثالث ينادي على بائع الخبز، فيخبره بأن يدخل من الباب الخلفي، يدخل الرجل يأخذ ربطته من فوره فهو رجل صاحب نفوذ وعلاقات فنحن في زمن بائع الخبز رجل له وزن، فهو يستطيع أن يعطيك الخبز قبل الآخرين، ويجنبك الانتظار، وساحة المعارك بعيداً عن كتلة البشر المتصارعة.
بعيداً عن ساحة المعركة وفي أطراف المشهد وقف رجل مهيب، تبدو عليه أمارات العلم والتحضر،  ينتظر في مشهد يدفع للتساؤل عن سبب وقفته هكذا فيما الناس منشغلون بتدبير أرزاقهم، يقترب منه السيد نظام ليسأله عن ذلك، يجيب الرجل أقف انتظر حتى يحين دوري لآخذ ربطة خبز حين يحين دوري. ضحكة مجلجلة تملأ المكان يطلقها نظام ويقول له إذن لن تجد خبزاً تأخذه، يندهش الرجل ويجيب ولمَ؟، يجيبه نظام لأن النظام هو غياب النظام.
عندما تنعدم المعايير، ويغيب تكافؤ الفرص ونعيش حياة الغاب ويغيب المنطق عن الأشياء يصبح عاشق النظام محلاً للسخرية والاستهزاء، ويصبح الاستثناء هو القاعدة، والقاعدة هي الاستثناء، ويصبح الطبييعي مستهجناً والمستهجن طبيعياً، هل أدركتم ما نفعله حين نفتح الأبواب الخلفية فيعطى أصحاب النفوذ، وندفع الناس إلى التصارع فيما يصبح عقلاء الناس محلاً للسخرية والاستهزاء.

الخميس، 5 يناير 2012

عقوق المتربين ألم عميق

مؤلم جداً أن نحب من كل قلوبنا، نحب الفناء لأجل من نحب، ونعشق تراباً داس عليه صغاراً رأيناهم يكبروا أمام أعيننا، واعتبرنا رسالتنا أن نعبر بهم إلى بر الأمان، فلما اشتدت أعوادهم أساؤوا معنا أدبهم، وطالت علينا ألسنتهم، ورمونا بسهام العصيان، وظنوا أنهم كبروا، وما كبروا، بل صغروا كثيراً لأن الكبار كبار الشيم.
قد تصيب القلب غصة للحظات من تمرد حبيب رعيت وداده دهراً، ودعوت له في صلواتك وخلواتك، وتمنيت له السلامة من الكرب، وجاهدتك جهدك لتتجاوز به المحن، وأتعبك وكانت ولادة نجاحه قيصرية، وكان قلبك يتقطع عليه كل يوم وأنت تدفعه لانجاز رحلته قبل فوات أوانها، ثم لما ظن أنه قد خرج من عنق الزجاجة كافأك بسوء الادب، وطول اللسان، وربما تشبع قلبه بعظيم نكران.
أقول لكل أب ومرب وراع خاب ظنه في نبتته، احتسب عند الله أجرك، وارم بذيئاً من عقلك فالأصفار ليس لها اعتبار.

الثلاثاء، 3 يناير 2012

اسقاط التعالي

لا تعجبن إذا علمت أن كل متكبر يستشعر نقصاً يفوق الوصف فيسعى بكل قوة لانكار نقصه الفطري البشري، ثم يتحول من  انكاره هذا إلى حيلة دفاعية أخرى هي التعويض الزائد فيزعم كمالاً، وفهماً وإدراكاً وقوة، ومزايا ليست في أقرانه، وقد يراه الناس مجرداً منها، لكنه يوهم نفسه بذلك فيعامل غيره بتعالٍ ويمشي في الأرض مرحاً يجر ثوبه خيلاء، ويكلّم الناس من أطراف أطراف أنفه، ويلبس جلباباً فضفاضاً أكبر من مقاسه حتى لا يكاد يبين، ويتمنى لو هدم كل الصروح التي تحيط به لأنها تخفيه عن الأنظار وتظهر تقزمه.
تلك صفات أصحاب الكبر والغرور، ولا يقتلهم مثل تحقيرهم بالانصراف عنهم، وعدم الاكتراث لحضورهم، وإعطائهم الحجم الذي يستحقون من خلال إهمالهم، علّهم يعيدون حساباتهم، ولا أظنهم يفعلون، ولكن إن فعلت ذلك بهم، فلتكن على حذر فإن بعضهم قد لا يغفر لك ذلك أبد الدهر، وربما كاد لك من وراء حجاب، وحاول اغتيالك من تحتك، إنها دعوة للحذر وليست دعوة للخوف، وإلا فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

الاثنين، 2 يناير 2012

كوابح شطحات التقنية

عندما تجلس أمام حاسوبك المحمول تنوي انجاز عمل معين، ثم تجد صفحة الفيس بوك خاصتك تأخذك وتشطح بك بعيداً، أو تسرح بك مقاطع اليوتيوب، أو يلهيك تصفح الأخبار، ويتآكل الوقت منك وأنت لا تشعر، تصبك حالة من الاكتئاب تتسلل لثنايا قلبك، ويعتريك شعور بالخيبة، والفشل، وتنال منك تلك المشاعر السلبية فتبدأ تفقد ثقتك بقدرتك على السيطرة على الأمور، وتشعر أنك مسلوب الإرادة، وأن العجز يتملكك من قمة رأسك حتى أخمص قدميك، عندها أنصحك بأن تغادر المكان كله وأن تغلق حاسوبك وتخرج إلى الحياة، وتبحث لك عن شيء فيه نوع من حركة تمارسه فتجدد حياتك، ولعل أسهل نشاط يمكن أن تقوم به هو ان تلتزم بصلاة الجماعة في المسجد، لأنها كفيلة بإخراجك من حالة العزلة التي تعتبر من أهم البذور التي تنبت تلك الحالة المقيتة، ثم لتجرب أي نشاط حركي رياضي، وليكن المشي مسافة طويلة، فإن المشي كفيل بنفض الكسل، وتجديد النشاط، وإثارة الحماسة، فتعود جديداً، متقداً، مشتعل الهمة، وأنا أجزم بأنك ستنجز في دقائق معدودة ما كنت تخطط لانجازه في ساعات.
إن ملازمة المكان وقتاً طويلاً يورث كآبة سوداء، تحجب عنك أنوار الفطنة كغمامة غطت كبد السماء فحجبت نور الشمس، بينما الحركة المستمرة الدائبة تجدد النشاط، وتوقد نور البصيرة، ومخالطة الناس رغم ما قد تلحقه بك من أذى لكنها ولا شك تشعل فيك وقودك، وتغذيك بالزاد لممارسة مهمتك في إعمار الأرض، وسنة الكون قائمة على السعي، والنجاح لا يأتيك يطرق بابك بل أن تحصله بمجهودك وسعيك نحوه، ولا يرتقي مكتف بتصفيق، أو فرح بانجاز بل الفائقون في الدنيا الذين كلما وصلوا مرتبة رنت أعينهم إلى ما هو أعلى منها لا طمعاً في زخرف دنيوي بل من منطلق فهم لمهمة خلافة الله في الأرض.
إن نواميس الطبيعة قائمة على الحركة وإن توازن المادة ناهيك عن الروح قائم على الحركة في كل مكان وزمان، فان الحركة إذا أضيفت إلى شيء زادت قيمته، فانظر إلى الساعة المتوقفة عقاربها، يقال عنها متعطلة، فإذا سارت صار الكل يقصدها ليدرك أغلى ما في الوجود "الوقت"، وانظر إلى الذرة كيف تبدو ساكنة وهي تزخر بالجسيمات المتحركة فيها، ولولا تلك الحركة لانفرط عقدها واختفت، فالحركة سر توازن الكون، ولو توقفت الأجرام السماوية عن الدوران في أفلاكها لسقطت في مراكز دورانها، وانتهى أمرها، فكيف بك أيها الانسان وأنت خليفة الله في الأرض، "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون" كيف بك لو تعطلت حركتك، أو تباطأت، وكيف بك لو كففت عن السعي، وانزويت بين جدران أربع، أو أمام زوايا شاشة حاسوب مربعة، كيف يكون بك الحال؟! وهل ستكون تلك حال من يريد إعمار الأرض وهداية الخلق.
من المفيد والرائع أن نستخدم التكنولوجيا المتطورة في إنجاز أعمالنا، لكن من المحزن أن نراها تأسر قلوبنا وتتحكم بمساراتنا، ومن المحزن أكثر أن تعيق التواصل المباشر بين الناس، فيتحادثون من خلف شاشات صماء، ويتكلمون عبر مكبرات صوت في غرف الدردشة أو عبر برامج المحادثة، إنها دعوة صادقة للتوازن، والحركة، لأنهما ميزان العمارة وأدوات الاستخلاف.

الأحد، 1 يناير 2012

كشف حساب

عام جديد كتبت سطوره في صحيفتك بمداد عملك، سجلت فيه كل سكنة وحركة لك صوتاً وصورة، وسوف يعاد بثها أمامك يوم العرض، يوم تجد كل نفس ما عملت محضراً وما ربك بظلام للعبيد، اجلس استرجع ما مر من أيامك صوتاً وصورة، وتأمل ما يريحك أن تراه، وما يزعجك تذكره ناهيك عن رؤيته، تدبر، وتخيل نفسك بين يدي ربك واقفاً وأنت ترى نفسك تبارزه بالمعاصي، تعصيه وهو يسترك، وتتمادى وهو يمهلك، تخيل نفسك وأنت يتساقط لحم وجهك بين يديه سبحانه حياءً مما جنيت، يا له من موقف عصيب، لن تحملك قدماك خوفاً وحياءً، وسوف تذوب بين ثنايا نفسك، وتتمنى لو ابتلعتك الأرض، أو أنك لم تكن، فتقول يا ليتني كنت تراباً.
أيتها النفس، أنت يا تلك النفس التي بين جنبي:
لا زالت أمامك فرصة لتتجنبي ذلك الموقف، ولتنجي من هذا العذاب النفسي المدمر، حل سهل، ندم، وإقلاع وعزم، ندم على ما جنيتِ، وإقلاع عن تلك الذنوب، وعزم أكيد على عدم العودة لها مرة أخرى، واستغفار مستمر وخوف ورجاء، ووجل وخشوع، ومن يدر فلربما استبدلت سيئاتك حسنات، فأنت مقبلة على كريم، إذا ناديته من بعيد ناجاك من قريب، وإذا تقربتِ منه ذراعاً تقرب منك باعاً، وإذا أتيتِه سعياً أتاك هرولة.
يا نفس هيا أقدمي وعلى الله أقبلي، وهو سيقبلك حتماً فهو الكريم الجواد، الرحمن الرحيم، أرحم بك من الأم بولدها، لو أتيته بقراب الأرض خطايا لأتاك بقرابها مغفرة، فتوبي وارجعي قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الاثنين، 26 ديسمبر 2011

الآنسة سلبية ماذا أنجبت؟!

عندما تقصر هامة أحدهم، أمامه حلّان: 
أن يرتدي كعباً عالياً يحاول أن يخفي فيه قصر هامته، أو أن يعيب الطول، ولهذا وجدنا من يقول كل طويل هبيل، ولم نجد أبداً من ينعت قصيراً بعيب، (مع اعتذاري لكل قصير قامة) فالقصير كما تقول جدتي قصير الذراع، وليس المقصود هنا أبداً القصر والطول الحسيين بل أسوق هذا المثل لألج فيه إلى موضوع غاية في الخطورة ألا وهو الحسد.
الحسد هو تمني زوال نعمة الغير كما تعرفون، واسبابه نفسية بالأساس، وهو من أنواع التفكير السبي إذ لا تجد انساناً ايجابياً يجيد الفعل واقع تحت تأثير الحسد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعاذ من ثمانية أشياء اراها مجامع الشر كله، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، ولو تدبرت الثمانية واردت جمعها في كلمة واحدة لكانت السلبية، فالهم قعود أمام مشكلاتك، وتوقف عن مواجهاتها واحساس يخيم عليك بثقل ما تواجه، والحزن شعور بالاحباط إثر مصاب جلل، وهو وليد الهم والله أعلم، والعجز هو غياب القدرة على الفعل، والكسل غياب الإرادة، والجبن غياب الشجاعة، والبخل ضعف القدرة على التغلب على حب المال بالبذل والانفاق، وغلبة الدين كثرته حتى يعجز المرء عن سداده، وقهر الرجال قدرتهم عليك معنوياً أو مادياً نعوذ بالله منها جميعاً.
المهم أنها كلها تنجم عن نقص صفات ايجابية في الانسان، وأرى ولست أزعم أني على صواب مطلق بل كلامي يحتمل الصواب ويحتمل غيره، ولكنها خواطري ابثها إليكم، أرى ان الحسد يأتي غالباً من العجز والكسل، فالحاسد إما عاجز لا يمتلك قدرة على الفعل فيتمنى لو كانت لديه قدرة المقتدرين، ويتمنى لو زالت منهم لأنه لا يستطيع الإتيان بمثل ما يأتوا، والكسلان لا يمتلك إرادة توجه طاقته وتخرجه من سباته لينطلق بين الناس فيتمنى لو زالت من بين أيديهم، وهذين الصنفين يبذلان جهدهما (السلبي) في النيل من اصحاب القدرة والإرادة أو على الأقل تثبيطهم وثنيهم عمّا هم منغمسون في فعله أو عازمون عليه، وسبلهم في ذلك قذرة دنيئة قد تمتد للنيل من شرفهم، أو سمعتهم، أو الانتقاص من أعمالهم النبيلة، بل وأحياناً يصل الأمر إلى حد قلب أفعال الطهر عهراً والعياذ بالله.
فيا صاحب الفعل، أنت هدار امض حيث شئت وللحساد نار، والنور أنت تبثه فكن للخيرين نعم الفنار.

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

ايكولوجيا المفاهيم 3 "حداء يبث التفاني"

أحدهم في وزارة ما من وزارات السيادة، والريادة، أنبؤوه أنه سينقل، وأخبروه أين سينقل، أحدهم هذا له صديق في مكان عمله الجديد الذي سيتولاه بعد أيام تتجاوز العشرة بقليل، همس في أذن صديقه ليوقف العمل ويتباطأ في تنفيذ المهام، بدت أمور العمل في موقعه المنتظر قبل استلامه ميتة، بطيئة، تسير ببطء أو لا تكاد تسير، تذمُّرٌ ساد أركان المؤسسة من بطء العمل، جاء صاحبنا الهمام تسلم منصبه صبيحة الأحد ويوم الاثنين حُلَّت كل المشاكل، ودارت عجلة الانتاج بسرعة الريح.
ضحكة مجلجلة أسمع صداها في أعماقي، ينتظر صاحبنا أن يقول الناس أنه مصباح علاء الدين، أو ربما أنه الجني الراقد في ذلك المصباح، أو ربما هو من حبس الجني في مصباح علاء الدين، مريضة تلك الأنفس التي تتمحور حول ذواتها ولا تغادرها، فتوجه مصابيح الإنارة نحوها، وتبقي كافة الأركان مظلمة، ليكون صاحبها هو الرائد ومن حوله أتباع يكملون الصورة ويرسمون ملا مح صلاحه المصطنع.
قديماً قرأت أن القادة نوعان: نوع عملاق كبير لا يحب قيادة غير الكبار، ويرى قيادة الصغار تصغيراً له، ونوع لا يجيد إلاّ قيادة الصغار لأن حجمه صغير وأي كبير بجانبه يظهر تقزمه، فهو لا يبين إلا إذا ارتقى ظهور أتباعه.
يتذاكى بعضهم ويظن غيره بلا ذكاء، يكيد ويدبّر، ويصيح ويزمجر، وهو في أعينهم هباء، لأنه ما خرج من ذاته للحظة، بل ظل حبيسها، وقعد يراوح مكانه، وأوحى له وهمه أنه يحلق في السماء.
القيادة أيها الناس رعاية شئون الأتباع، والتفاني في البذل والعطاء. القيادة نصح ونصيحة، القيادة أن تأخذ بيد من معك وبإخلاص يتبعك، وترتقي به لمراتب علية، فيعلو وتبقى أستاذه، فإن علا فأنت قائده ومربيه، وإن دنا فأنت الملام وهذا تصغير لشأنك لأنك ما أفلحت بإحداث التغيير والإصلاح.
القيادة أن يشعر كل عضو في الجماعة أو المؤسسة أن له كيان، وأنه يملك سلطة وقراراً، وأنه جزء أصيل من بنيان العمل، وإلاّ فالغرق محتوم، والفشل ينتظرنا على أول ناصية.
سر النجاح حالة إلهام تسود، وهمة عالية تقود، وصدق وإخلاص تتلفحه فيكون أكفأ وقود، فتسير سفينتك تسابق الريح، ويصبح كل من معك قبطان، يجيد القيادة، ويدير الدفة وقت الحاجة، لكنه يعرف موقعه، ويؤدي مهمته، وتتكامل الجهود وتتآلف الأرواح فترتسم صورة تبعث في النفس سعادة الجمال، وفرحة الانجاز، وأصالة الانتماء، وتتوج القيادة رأس العروس بتاج العرفان، وتنسب الأعمال لأصحابها، وتبرز الأتباع، فتحرز الفضل، وتبث روحاً تثب لمهمة جديدة فيتواصل النجاح، ويستمر العطاء، وتبقى حالة الإلهام تحدو رفقاء الدرب فيكثر الرواحل، وتتقلص الإبل القاصية، وينسجم الركب خلف حاديه.

الاثنين، 19 ديسمبر 2011

ايكولوجيا المفاهيم 2 "نرجسية تهشم الزرع"

بعد أن شرعت في كتابة تدوينتي وكنت قد بدأت كتابة قصة حقيقية لكنني عزفت عن الاستمرار في الكتابة لأن كثيراً من التفاصيل تزعج القارئ وحتى لا يتسلل إليكم الملل قرّرت أن أختصر ما وددت قوله في سطور.
تفاجئني ترتيبات أولويات "النخب" في مؤسسة ما في بقعة ما من بقاع الأرض هناك على قارعة قارة في زاوية صغيرة من زوايا الدنيا، وعلى شواطئ بحر ازرق اللون أمواجه تعلو حينا، وتهدأ حيناً، وفي رقعة تكاد تكون بحجم الزنزانة، تولى مولانا منصباً كبيراً واسعاً فضفاضاً، وبدأ يرتب أولوياته:
كتب صاحبنا مهامه الجسام التي ينوي انجازها، ووضعها لموظفيه في خانة واحدة "هام وعاجل" أولوية من الدرجة القصوى.
أولويات صاحبنا مكتب فخم، وأثاث، ومكيف يجلب الدفء لأسلوبه البارد في التعامل مع موظفيه، طلاء الغرفة لتضفي جمالاً يخفي قبح أسلوبه الرديء، زيارات ميدانية لمجالات عمله لم تخرج أبداً عن إطار العلاقات العامة والبهرجة، التصوير في كل حركة وسكنة والتفاتة، وفي صدر الصورة شخصه الكريم، وسيارة حديثة تليق بزياراته المباركة، وفاتورة اتصالات باسمه، وهاتف دولي في مكتبه، وضيافة ينص عليها ليغدق على زواره الكرام على حساب المؤسسة الكريمة، وليذهب العمل بعد كل هذا للحجيم.
يسر إليه موظفوه بخطط عمل فيها فطنة وذكاء لكي يكتشفوا ما تطويه عنهم مؤسسات نشاز قليلة هي لكنها تعمل خارج القواعد والمعايير، في لحظة تجلٍ، ورغبة عارمة في اظهار الفهم، والتذاكي يفصح بخططه المستدرِجة لمن يفترض به استدراجهم، وتأخذه رغبته العارمة في استجلاب الثناء، وإبراز قدراته وذكاواته المتعددة ويحكي لهم عن أسرار عمله المفترض بها أن تظل طي الكتمان، والتي تقتضي أبجديات الحكمة اخفائها.
عارٌ علينا أن نتصدر في الناس ونحن لم نجاوز مرحلة التمركز حول الذات لا نرى إلا أنفسنا ولا نرى واجباتنا إلا من خلالها، نرجسية طاغية، ننظر إلى الدنيا في بئر سحيقة تبدو على صفحتها صورة الأشياء، لكننا لا نرى على صفحة ماء البئر إلا صورتنا فتصبح كل الأشياء نحن، ونحن كل الأشياء، فيكون الحلول وتكون المراوحة.
تلك حالة عايشتها ورأيت لها نماذج كثيرة تتفاوت في تمركزها حول ذواتها لكنها قاتلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، عندها تنتقل عدوى الظهور إلى الأتباع، وفي أحسن الأحوال تغتال الدافعية على أعتاب نرجسية واهية واهمة لقائد يحب المرايا، ويعشق الصور وتقتله رؤية شخوص غيره، ومعايشة الواقع، يبث في بيئة العمل أمواج الاحباط، ويغرس في أرض الفلاحة بذور الأنانية فتستحيل آفة شريرة تغتال المحصول من جذوره، وينخر السوس في ثماره فيصبح هشيما تذروه الرياح.